الخطيب الشربيني
544
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض . قال ابن عباس رضي الله عنهما : خلق الله تعالى الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء فسوّاها سبع سماوات ثم دحا الأرض بعد ذلك . وقيل : معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله تعالى : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ [ القلم : 13 ] أي : مع ذلك ، ومنه قولهم : أنت أحمق ، وأنت بعد هذا سئ الخلق . وقيل : بعد بمعنى قبل كقوله تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [ الأنبياء : 105 ] أي : من قبل ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام ، ثم دحيت الأرض من تحت البيت . أَخْرَجَ مِنْها أي : الأرض ماءَها أي : بتفجير عيونها ، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها وَمَرْعاها أي : النبات الذي يرعى مما يأكله الناس والأنعام من العشب والشجر والثمر والحب حتى النار والملح ، لأنّ النار من العيدان قال تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [ الواقعة : 71 ] الآية ، والملح من الماء ، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [ يوسف : 12 ] والمرعى في الأصل موضع الرعي . تنبيه : أخرج حال بإضمار قد أي : مخرجا ، وإضمار قد هو قول الجمهور وخالف الكوفيون والأخفش . وَالْجِبالَ أَرْساها أي : أثبتها على وجه الأرض لتسكن ، ونظيره قوله تعالى : وَالْجِبالَ أَوْتاداً [ النبأ : 7 ] وقوله تعالى : مَتاعاً مفعول له لمقدّر ، أي : فعل ذلك منفعة أو مصدر لعامل مقدّر أي : متعكم تمتيعا . لَكُمْ وقوله تعالى : وَلِأَنْعامِكُمْ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم ، وذكر الأنعام لكثرة الانتفاع بها . فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى أي : الداهية التي تطم على الدواهي أي : تعلو وتغلب ، وفي أمثالهم : جرى الوادي فطم على القرى ، قال ابن عباس : وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث . وقال الضحاك : هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتغمره . وقال القاسم بن الوليد الهمداني : هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار . وقوله تعالى : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ أي : تذكرا عظيما الْإِنْسانُ أي : الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له بدل من إذا ما سَعى في الدنيا من خير أو شرّ ، يعني : إذا رأى أعماله مدوّنة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها كقوله تعالى : أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] وما في ما سَعى موصولة أو مصدرية . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أي : أظهرت النار المحرقة إظهارا بينا مكشوفا لِمَنْ يَرى أي : لكل راء ، كقولهم : قد تبين الصبح لذي عينين ، يريدون لكل من له بصر ، وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد ، لكن الناجي لا ينصرف بصره إليها فلا يراها ، كما قال تعالى : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها [ الأنبياء : 102 ] . وجواب إذا قوله : فَأَمَّا مَنْ طَغى أي : تجاوز الحد في العدوان حتى كفر بربه وَآثَرَ أي : قدّم واختار الْحَياةَ الدُّنْيا أي : انهمك فيها ولم يستعدّ للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فَإِنَّ الْجَحِيمَ أي : النار الشديدة التوقد العظيمة هِيَ أي : خاصة الْمَأْوى أي : مأواه كما تقول للرجل : غض الطرف ، تريد طرفك ، وليست الألف واللام بدلا عن الإضافة ، ولكن لما علم أنّ